ابن قيم الجوزية

656

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه اللّه عليك » . فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه ، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع اللّه ، بل يفرد اللّه بالمخافة وقد أمنه منه . وخرج من قلبه اهتمامه به ، واشتغاله به وفكره فيه ، وتجرد للّه محبة وخشية وإنابة وتوكلا ، واشتغالا به عن غيره ، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده ، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل ، واللّه يتولى حفظه والدفع عنه ، فإن اللّه يدافع عن الذين آمنوا ، فإن كان مؤمنا باللّه فاللّه يدافع عنه ولا بد . وبحسب إيمانه يكون دفاع اللّه عنه . فإن كمل إيمانه كان دفع اللّه عنه أتم دفع ، وإن مزج ، مزج له . وإن كان مرة اللّه عليه جملة . ومن أعرض عن اللّه بكليته أعرض اللّه عنه جملة . ومن كان مرة ومرة فاللّه له مرة ومرة . فالتوحيد حصن اللّه الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين ، قال بعض السلف : من خاف اللّه خافه كل شيء . ومن لم يخف اللّه أخافه من كل شيء . هذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر ، وليس له أنفع من التوجه إلى اللّه وإقباله عليه ، وتوكله عليه ، وثقته به ، وأن لا يخاف معه غيره ، بل يكون خوفه منه وحده ، ولا يرجو سواه ، بل يرجوه وحده ، فلا يعلق قلبه بغيره ، ولا يستغيث بسواه . ولا يرجو إلا إياه . ومتى علّق قلبه بغيره ورجاه وخافه : وكل إليه وخذل من جهته ، فمن خاف شيئا غير اللّه سلّط عليه . ومن رجا شيئا سوى اللّه خذل من جهته وحرم خيره . هذه سنة اللّه في خلقه . ولن تجد لسنة اللّه تبديلا . فصل فقد عرفت بعض ما اشتملت عليه هذه السورة من القواعد النافعة